يُعدّ التثاؤب واحدًا من أكثر الأفعال البشرية غموضًا. يحدث دون إرادة، يظهر في مواقف غير متوقعة، ولا يمكن التحكم فيه بسهولة.
لكن الأمر الأكثر غرابة هو أنّ التثاؤب مُعدٍ؛ يكفي أن تشاهد شخصًا يتثاءب، أو تسمع صوت التثاؤب، أو حتى تقرأ كلمة “تثاؤب”، لتشعر بالرغبة في التثاؤب أنت أيضًا!
لماذا يحدث هذا؟ وما السر وراء انتقال هذا السلوك من شخص إلى آخر بهذه السهولة؟
هذا السؤال حيّر العلماء لعقود، لكن الأبحاث الحديثة بدأت تكشف جوانب مذهلة من هذا السلوك البشري.
أولاً: ما هو التثاؤب أصلًا؟
التثاؤب هو عملية فسيولوجية طبيعية تتضمن:
فتح الفم بشكل واسع
أخذ شهيق طويل
تمدد عضلات الوجه والرقبة
ثم زفير بطيء
يستغرق التثاؤب عادة 6 ثوانٍ تقريبًا، ويؤثر على الجسم بأكمله، وليس على الفم والرئتين فقط.
التثاؤب يحدث عند:
الشعور بالنعاس
الملل
انخفاض درجة حرارة الدماغ
أو الانتقال من حالة وعي إلى أخرى
لكن، لماذا ينتقل من شخص لآخر؟
ثانيًا: “عدوى التثاؤب” — اللغز الذي حيّر العلماء
منذ آلاف السنين، لاحظ الإنسان أنّ التثاؤب ينتقل بين الناس، لكن لم يكن هناك تفسير واضح.
حتى جاء العلم الحديث ليكشف أن الأمر مرتبط بآليات اجتماعية وعصبية عميقة داخل الدماغ.
إليك أهم النظريات العلمية التي تفسر الظاهرة:
1. الخلايا المرآتية: دماغك يقلّد دون أن تشعر
اكتشف العلماء نوعًا خاصًا من الخلايا في الدماغ يُسمّى الخلايا العصبية المرآتية.
هذه الخلايا تنشط عندما:
نقوم بالفعل
أو نشاهد شخصًا آخر يقوم به
كأنها مرآة عصبية داخل دماغك.
التثاؤب يُفعّل هذه الخلايا بقوة، لذلك يقلّد الدماغ السلوك بشكل تلقائي دون وعي.
لهذا السبب:
تضحك عندما يضحك الآخرون
تتوتر عندما ترى شخصًا متوترًا
وتتثاءب حين ترى شخصًا يتثاءب
إنه انعكاس تلقائي عميق داخل الدماغ.
2. التثاؤب علامة على التعاطف والترابط الاجتماعي
أثبتت الدراسات أن التثاؤب المعدي يحدث غالبًا بين:
أفراد العائلة
الأصدقاء المقربين
الأشخاص الذين تربطهم علاقة قوية
ويقلّ بين الغرباء.
ما يعني أن عدوى التثاؤب هي مؤشر عصبي للتعاطف.
كلما كان مستوى التعاطف مع الآخر أكبر، زادت احتمالية أن تتثاءب معه.
حتى أن الأطفال المصابين باضطرابات تؤثر على التعاطف (مثل التوحّد بدرجاته) يُظهرون معدلًا أقل بكثير من عدوى التثاؤب.
3. التثاؤب وسيلة لضبط الإيقاع الجماعي
يعتقد بعض العلماء أن التثاؤب كان في الماضي وسيلة لضبط إيقاع اليقظة والنعاس داخل الجماعات البشرية.
مثلاً:
إذا كان أحد أفراد مجموعة الصيادين يشعر بالنعاس ويتثاءب، يتثاءب الآخرون أيضًا.
هذا يؤدي إلى تزامن الحالة العصبية للجماعة، فينخفض مستوى اليقظة لدى الجميع بالتدريج.
هذه الظاهرة كانت مفيدة في الماضي عندما كان البشر يعيشون في مجموعات صغيرة تعتمد على التنسيق.
4. التثاؤب لتبريد الدماغ
نظرية حديثة تقترح أن التثاؤب يساعد على خفض درجة حرارة الدماغ.
فعندما يبرد الدماغ يصبح أكثر يقظة وتنظيمًا.
عند رؤية شخص يتثاءب، يعتقد الدماغ — بسبب قدرته على التقليد التلقائي — أنه يحتاج أيضًا إلى تبريد نفسه، فيتثاءب.
ثالثًا: لماذا تتفاوت عدوى التثاؤب بين الناس؟
ليست كل العقول تستجيب بنفس القوة للتثاؤب.
هناك عوامل تؤثر في درجة العدوى:
1. العمر
الأطفال أقل تأثرًا — تبدأ العدوى عادة بعد سن 4 أو 5 سنوات.
2. مستوى التعب
كلما كنت مرهقًا، زادت احتمالية التثاؤب عند رؤية غيرك يتثاءب.
3. درجة التعاطف
الأشخاص الأكثر قدرة على فهم مشاعر الآخرين يصابون بعدوى التثاؤب بسهولة.
4. التشتت والانشغال
إذا كان ذهنك منشغلاً بشدة، تقلّ استجابتك.
رابعًا: هل التثاؤب المعدي خاص بالبشر فقط؟
الغريب أن التثاؤب المعدي وُجد أيضًا عند:
القردة العليا
الكلاب (تتثاءب حين يرى صاحبها يتثاءب)
وهذا يدعم فكرة أن العدوى مرتبطة بالترابط الاجتماعي.
خامسًا: هل التثاؤب مرض؟
أبدًا.
التثاؤب ليس مشكلة صحية، إلا إذا كان:
يتكرر بشكل غير طبيعي
أو يحدث مع دوار شديد
أو فقدان وعي
حينها فقط يحتاج الشخص لفحص طبي.
لكن في الحياة اليومية، التثاؤب:
ينعش الدماغ
ينظم التنفس
يخفف التوتر
ويعيد توازن الوعي