الهوية الثقافية – تحليل نص "هويتنا الثقافية والعولمة" لسالم يفوت
الهوية الثقافية – تحليل نص "هويتنا الثقافية والعولمة" لسالم يفوت
المدخل المفاهيمي
العولمة تعميم التبادل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي في العالم بشكل سلس ودائم وشامل؛ إنها بهذا المفهوم تدشين ثقافة إنسانية كونية ونظام عالمي واحد له أبعاد وتحديات تخترق الهويات وتردم الحدود والحواجز وتنفتح على الحوار بين الحضارات وتزامن مع الانتشار الواسع للمعرفة والانتقال الحر اللامحدود للسلع والخدمات والرأسمال واليد العاملة. وبهذا التحديد خطته وضعها مهندسو العولمة (الدول الغربية خاصة) لجعل العالم قرية كونية وإخضاعه لسياسة العولمة. وإذا كانت هناك إفرازات إيجابية لهذه القوى المنتجة عبر نسق الاتصال والتأثير المتطورة، وظلّت العولمة واقعاً أصبح له مميزاته الإيجابية وآثاره السلبية التي تتعين إعادة تشكيل الهوية وتحضيرها من التسييح والاختراق. الهوية هي ما يميز الذات من قيم معرفية وجمالية ترتقي إلى مستوى الثوابت التي تنمو وتتحول؛ وهذا ما يقتضي أن نعيد بناءها كل مرة وفقاً لما تفرضه تحديات العولمة. ومفهوم الهوية من داخلها يقتضي الانخراط الإيجابي في العولمة الإيجابية بالاندماج العلمي والمعلوماتي الذي يشهده العالم وتوظيف المعرفة المتعددة لارتباط دول النمو في الاقتصاد والسياسة والمجتمع بالمعرفة الرقمية، ولما يوفره التحكم فيها من معرفة بالآخر باعتباره ثقافة وقوة وقدرات وأسواقاً ومصالح. ومنه: إمكانية خلق تواصل مثمر معه على قاعدة حد أدنى من المعرفة المشتركة التي ليست سوى جزء من هذه الكونية المحدقة التي تعد رأسمال المستقبل في الحضارة الإلكترونية الناشئة.
مساءلة النص
يطرح النص سؤال ما إذا كانت الهوية الثقافية مهددة في ظل فيض المعلومات والصور والرموز والقيم والمنتوجات القادمة من هنا وهناك في عالم العولمة، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون إعادة تشكيل عالمية لمجال تضمر فيه ثنائية الأنا والآخر، وتخلص فيه الهويات من انغلاقها الوثني بغية التلاقح والتعايش والتفاعل. المطلوب إذن أن نحرر هوياتنا من القيود الوهمية وننطلق بها عبر العالم الرحب والمتنوع. ويخلص الكاتب في النهاية إلى أن العولمة لا تقتل الهوية بل تعيد تشكيلها وتجعل الإنسان أكثر قدرة على التعامل مع هذه التحديات بقراءة جديدة للظواهر تسعى إلى التواصل الجيد مع الآخر المختلف، والفعل الإيجابي في المشهد الحضاري العالمي الراهن.
ملاحظة النص
نرى، بالنظر إلى عنوان النص، أن التقاء لفظتي الهوية الثقافية والعولمة في سياق جُملي واحد يروم تجلية الالتباس الذي يطال العلاقة بينهما في ظل تعدد التصورات التي تبررها واختلاف منطلقاتها. كما يجعل هذا اللقاء المفهومين المؤسسين داخلهما في عالم الواقع في صراع، حيث يمثل أحدهما بنية الماضي المنغلق، بينما يمثل الثاني المستقبل بمعناه الواسع. ولعل تشكل الهويات لتأسيس ثقافة كونية، واختراق الحدود المغلقة لأشكال التمطيط الهويات، من أجل تذويب العوائق التي تحول دون التواصل العريض بين الثقافات المختلفة، وأن الهوية إحدى التحديات التي تواجه العولمة ورهاناتها وتسعى إلى حراسة هذه الحدود التي يؤذن بانحلال التميز والخصوصية، وانتهاء عصر الاختلاف والتنوع الذي تقوم عليه قيم الحداثة والليبرالية وتكريس فلسفة التسامح مفتوحة في أفق جديد من الحرية والسيطرة. هذه المجادلة المستقبلية تنطوي على فرضيتين للإشكالية المطروحة داخلها، وهما: هل العولمة تقتل الهوية أم تبعث فيها بشروط جديدة؟ وينتهي النص بعد قراءة تحليلية للإشكالية إلى ترجيح الفرضية الثانية.
فهم النص
لفظ الهوية في نظر الكاتب ملتبس بسبب التصورات التي تعبر الهوية معطى مألوفاً جاهزاً ومكتملًا ومغلقاً بشكل يحول دون أي تواصل أو تفاعل ممكن مع الآخر. هذا الالتباس يقود إلى الجمود والتوقع في الماضي ومعاداة الآخر المختلف والحذر منه. يميز الكاتب بين موقفين من الهوية: الأول يعتقد أنها كيان ماضوي من الرموز والمثل ثابت لا يتحول، محاط بهالة من القدسية، والثاني يربطها بالتحول والاستمرارية، ويربط الأنا بالآخر المختلف ضمن مجتمع التقدم دينامياً عبر الدرجات والحقوق، وهو ما يدفع إلى الانخراط في العولمة والتفاعل معها. والكاتب يميل إلى الموقف الثاني، إذ عبر حرصه على استعمال مجموعة من الأوصاف الإيجابية التي يسندها بها. تفترض التحولات الكونية المتلاحقة تحديات كبرى تفرض على العرب إحداث تغييرات عميقة في بنية مجتمع مدني حديث يستوعب بسرعة مكتسبات العصر، ويكون رهان المستقبل بمؤسسات ومشاريع وأدوات فعالة، ويعيد تشكيل هويته على أساس هذا الأفق الاستراتيجي. بعض المثقفين العرب يرون الهوية معطى منغلقاً ينبغي الدفاع عنه، فيلجؤون إلى الدفاع عن الخصوصية والتمسك بالاختلاف، وتسهم من الداخل لإخضاع هذه الثقافة المنفتحة، والسيطرة على قدرات شعوبها، وتسهيل أي مواجهة ممكنة معها بعد إلغاء تميزها وخصوصيتها، وفعاليتها في تحصين هويتها المزروعة في نفوس متلقيها. والكاتب يرفض هذا الاعتبار ويعده وصاية على الفكر وإرادة الناس ونشر قيم الانغلاق. وتبرز علاقة الهوية الثقافية والعولمة وهو مفهوم يطرح الكثير من التعقيد والالتباس لصعوبة الحسم في كثير من توازناتها ومتغيراتها، غير أن الثابت فيه أن لا خطر في أحدهما على الآخر.
تحليل النص
يتوزع النص حقلان معرفيان يرتبط أحدهما بالماضي والآخر بالحاضر والمستقبل، وتمثل ألفاظ الحقل الأول تعكس تصور الذين يربطون الهوية بالذاكرة والتراث والثابت الجامد من إنجازات الماضي، بينما تمثل ألفاظ وعبارات تعكس تصور مناصري الحداثة ومنهم كاتب النص، وهو أكثر هيمنة على النص بسبب كونها تجسد الطرح البديل الذي يسعى النص إلى تفصيله وتوضيح معالمه، وتصدير أفقه المتلقي.
يهيمن على النص ضمير "النحن"، وهو مرتبط بموضوع الهوية، ومحيل إلى الذات العربية الإسلامية التي عليها أن تقف موقفاً صحيحاً أمام التحولات العالمية المتسارعة بفعل آلة العولمة.
جوهر الإشكالية التي يتناولها الكاتب أن على "النحن" أن يعيدوا تشكيل هويتهم بما يضمن التواجد الإيجابي في منظومة العولمة؛ وكسب هذه الرهانات عليه أن يستوعبوا بسرعة صورة الحاضر المشاركة في صناعة المستقبل. وهو خيار يبدو من الناحية النظرية واضحاً، ولكن من جهة الواقع محفوف بكثير من العراقيل وقوية حضورها في مجتمعاتنا تزيد الهوة الحضارية بين النحن والآخر، وتعمق الفجوة الرقمية بين دول الشمال والجنوب الأكثر اتساعاً.
اختار الكاتب لبناء مفهوم الهوية منهجاً استقرائياً يتدرج من الخاص إلى العام، وعدد فيه بعض جوانب الإشكالية التي ينبغي الحسم فيها، وتوسل فيه بعض التجربة والملاحظة، لينتهي إلى أن طبيعة الخصوصية في الهوية الثقافية لا تتعارض مع العولمة طالما أن الهوية في نهاية المطاف استيعاب للحاضر ومراهنة على المستقبل وإثبات للحضور والفاعلية والتأثير والتعايش، وهو في العولمة والهوية. ويستند الكاتب في أسلوب الاستنباط عبر مجموعة من القياسات من قبيل أن الهوية معبر للمستقبل، وكذلك العولمة والنتيجة أنهما متآلفان.
الهوية الثقافية لا تتحدد في الغالب إلا بصفات السلب، أي بما يجعلنا مختلفين عن الآخر، لكن داخل كيانات الهويات أشياء كثيرة مشتركة يمكن اعتبارها صفات إيجاب، وعلى أساسها يبنى التقارب الحضاري بين الأمم والشعوب والتبادل والتفاعل بينها، والتماهي أحياناً.
يتسم أسلوب الكاتب بالتقريرية لأنه مشغول ببناء خطاب استدلالي ذي وظيفة إقناعية، يروم من خلاله إعادة نقد التصورات الرائجة عن مفهوم الهوية والعولمة والسعي لتبينها. أسلوب الكاتب ينهض على معجم غني يتوزع على حقول الاقتصاد والحضارة والتاريخ والثقافة والمجتمع، لذلك يبدو خالياً من كل المكونات الأدبية، ولاحظنا أن الإنجاز بات تحت قوة غزو ثقافي. وغرض الكاتب من هذه التقرير والحجاجية في النص إعادة تشكيل وعي المتلقي العربي وفق ما تقتضيه مستلزمات الراهن ورهانات المستقبل من تحديات.
تركيب وتقويم
يؤسس الكاتب مفهومه للهوية الثقافية قائماً على تبني مشاريع الحداثة الليبرالية، بعد إفلاس التصور الانشطاري الذي تأطر به يوماً ما، والتي تفتح الباب على مصراعيه أمام تذويب المختلف بين الشعوب بتركيزها على قيم الإنتاج وثقافة الحرية والحق والواجب كما ترددها الهيئات الدولية المالكة لسلطة التقرير المهيمنة لفضاءات العولمة؛ ويحاول الكاتب تمرير هذا المفهوم إلى المتلقي العربي عبر اختزال الهوية الثقافية لتجاوز تخلفات الفكر العربي المرتبطة بإشكالات التفسير الديني والسياسي، وجعل الصورة مغلقة، وأساس إقناع مستند على استقراء واستنباط تخدم نتائجهما الفكرة التي يجتهدها الكاتب بدقة عبر أدوات التوكيد وعبارات الإثارة والإغواء.
إذا كانت كل ثقافة تختزن نموذجها الخاص ومنظومتها القيمية المتميزة، فإن العولمة نجحت في ترسيخ دائرة القيم المشتركة، لكنها فشلت في منع التصادم بين الثقافات، لأن التطورات المختلفة قادرة على بلوغ حالات متقدمة وخطيرة من المواجهة مادامت البنية التحتية للسلوك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي محكومة في جوهرها بالتعصب العرقي أو الديني أو العنصري، لأن العولمة على مستوى الواقع تعيد بعث بعض الهويات وإلغاء بعض الشعوب، والانحياز إلى بعض النماذج دون غيرها تعمل على إحياء ذاكرة الصراع بين الحضارات، كما أنها تعتمد الحد من دور القيم العليا وتقزيم دور الدين والمجتمع، والانتصار للاستبداد والمنفعة واللذة، وتقديس الفرد والعقل، وتوسيع الفوارق بين الطبقات الاجتماعية، وتهديد الاقتصادات بالأزمات المالية المفاجئة…
⬅️ ارشيف الاخبار
العودة إلى الصفحة الرئيسية